جريمة بحق الأجيال القادمة .. العراق يهدر المليارات على استيراد الغاز المصاحب بدلاً من استغلاله

تقرير: رسل الخفاجي
يمثل هدر الغاز المصاحب للنفط في العراق إحدى أبرز القضايا البيئية والاقتصادية التي يعاني منها البلد، حيث يتم حرق كميات هائلة منه بدلاً من استغلاله، في المقابل يقدم على استيراد كميات كبيرة من الغاز من إيران لتلبية احتياجاته المتزايدة، خاصة في قطاع الطاقة، هذا الوضع يثير تساؤلات حول الإمكانيات الاقتصادية التي يمكن تحقيقها من خلال استثمار الغاز المصاحب بدلاً من استيراده.

وتتجسد أهمية استغلال الغاز المصاحب في توفير العملة الصعبة بالوقت الذي يعد فيه استيراد الغاز عبئاً كبيراً على الميزانية العراقية، حيث يتم دفع مبالغ ضخمة من العملة الصعبة مقابل هذه الشحنات، ويمكن لاستغلال الغاز المصاحب أن يخفض بشكل كبير من فاتورة استيراد الغاز، وبالتالي يوفر عملة صعبة يمكن استخدامها في مجالات أخرى.
ويؤكد الخبير الاقتصادي مناف الصائغ لـ (عاجل وبس) هذا الكلام قائلاً: إن “العراق ينفق حوالي 10-15 مليون دولار يومياً على استيراد الغاز المصاحب الذي يتم هدره وحرقه دون الاستفادة منه، أي ما يعادل ما بين 3.65 مليار دولار إلى 5.5 مليار دولار سنوياً، فيما تبلغ تكلفة بناء محطة كهرباء تعمل بالغاز بطاقة 1000 ميغاواط تتراوح بين 700 مليون دولار إلى 1 مليار دولار”.
وأضاف أنه “العراق أنفق حوالي 18-25 مليار دولار على استيراد الغاز، في الوقت الذي كان يمكنه فيه بناء حوالي 25 إلى 35 محطة كهرباء بقدرة 1000 ميغاواط لكل محطة خلال تلك الفترة”.
كما يمكن للعراق من خلال استغلال الغاز المصاحب تعزيز أمن الطاقة، وتحقيق الاكتفاء الذاتي بدلاً عن استيراده الذي يجعل البلاد عرضة للتقلبات في أسعار الطاقة العالمية، فضلاً عن المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالعلاقات مع الدول المصدرة، اذ يمكن لاستغلال الغاز المحلي أن يزيد من أمن الطاقة وتقليل من الاعتماد على مصادر خارجية.
ويوضح الصائغ لـ (عاجل وبس) أن “الأموال التي تم صرفها على استيراد الغاز من إيران كانت كافية لبناء 5 – 7 محطات كهرباء سنوياً أو ما بين 25 -35 محطة على مدى 5 سنوات، مما كان سيغطي احتياجات العراق بشكل كبير ويوفر الاكتفاء الذاتي في قطاع الكهرباء”.

ويعد الغاز المصاحب مورداً مهماً جداً للدخل القومي، كما يمثل مصدراً إضافياً للطاقة أو يمكن تحويله إلى مواد خام صناعية، وبالتالي يمكن أن يسهم بشكل كبير في تحسين التنوع الاقتصادي في العراق، حيث يمكن استخدامه لتوليد الكهرباء، وتشغيل الصناعات، وتصديره، فضلاً عن خلق فرص عمل جديدة في مختلف القطاعات.
التحديات والعقبات:
يلخص الصائغ التحديات والعقبات التي تسببت بهدر هذه الثروة الوطنية التي تجاوزت أسعارها أحياناً سعر النفط بالأسواق العالمية قائلاً: إن “هناك عدد من التحديات التي تواجه استغلال الغاز المصاحب بتأخير في تنفيذ المشاريع بسبب البيروقراطية أو نقص التمويل، الحاجة إلى تطوير بنية تحتية متكاملة لمعالجة ونقل الغاز، فضلاً عن استمرار الاعتماد على الغاز المستورد في المدى القصير إلى حين استكمال المشاريع”.
فيما رصدت (عاجل وبس) عدداً من التحديات الأخرى تكمن في التالي:
الفساد: يعتبر الفساد أحد أكبر العقبات التي تواجه استغلال الغاز المصاحب في العراق، حيث يتم استغلال المشاريع المتعلقة بالغاز لتحقيق مكاسب شخصية.
الافتقار إلى الكفاءات: يعاني العراق من نقص في الكفاءات الهندسية والفنية اللازمة لإدارة مشاريع الغاز المعقدة.
الضغوط السياسية: قد تواجه مشاريع استغلال الغاز ضغوطًا سياسية من قبل الجهات التي تستفيد من الوضع القائم.
ويشير الخبير الاقتصادي إلى حجم التقدم المحقق في مجال استغلال الغاز المصاحب خلال الفترة الماضية مبيناً أن “حكومة محمد شياع السوداني وضعت خططاً طموحة لتطوير هذا القطاع، بضمنها توقيع عقود مع شركات عالمية مثل توتال، بيكر هيوز، وللاستثمار في مشاريع تجميع ومعالجة الغاز المصاحب، وزيادة التعاون مع شركات النفط الوطنية والدولية لتسريع تنفيذ هذه المشاريع المثمرة والتي من شأنها توفير مليارات الدولارات للبلاد”.

هذا وأعلنت وزارة الكهرباء في بيان صدر يوم الأحد الماضي، عن توقف إمدادات الغاز الإيراني بالكامل إلى البلاد، مما أدى إلى فقدان 5500 ميغاواط، لافتة إلى تنفيذها خططاً استراتيجية والطارئة لرفع قدرات المنظومة الكهربائية الوطنية بجميع قطاعاتها (إنتاجاً ونقلاً وتوزيعاً)، وتعيد العمل بالمشاريع المتلكئة والمتوقفة منذ سنوات عديدة للحصول على طاقات توليدية كانت ضائعة وغير مستغلة لتحسين الإنتاج، ورفع معدلاته بما يناسب استقرار التجهيز، وتشغيل محطاتها الإنتاجية بالغاز الوطني، وجزء آخر بالوقود الوطني، وآخر بالغاز المستورد، لحين اكتمال مشاريع الحكومة العاملة على تأهيل حقول الغاز الوطنية.

وختم البيان قائلا إن “وزارة الكهرباء، وفقاً للتوجيهات الحكومية، ستنسق مع وزارة النفط بشكل أكبر لتعويض ما خسرته المنظومة من الغاز”، داعية المواطنين إلى “مراعاة الظرف الخارج عن السيطرة والمحافظة على الأحمال لحين إكمال أعمال الصيانة ومعاودة ضخ الغاز بالكميات المطلوبة”.
وكان وزير الكهرباء زياد علي فاضل، قد أعلن مؤخراً تراجع إمدادات الغاز من إيران إلى 15 مليون متر مكعب يومياً، مشيراً إلى أن ذلك تسبب في خسارة 7000 ميغاواط من إنتاج الكهرباء.
وفي الوقت الذي يشكل فيه الغاز الإيراني أحد المصادر الحيوية لتلبية احتياجات العراق من الطاقة، فإن الولايات المتحدة، بصفتها أحد اللاعبين الرئيسيين في السياسة الدولية تواصل ممارسة الضغوط على الحكومة العراقية للحد من أو الاستغناء التام عن الغاز الإيراني، فيما تنطوي تلك الضغوط على مجموعة من الاعتبارات الاقتصادية والسياسية التي تؤثر على علاقات العراق مع إيران من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية.
ويعد هدر الغاز المصاحب للنفط، يمثل جريمة بحق الأجيال القادمة بيئياً واقتصادياً، فهو يؤدي إلى خسارة فادحة للبلاد وهدراً للمال العام لذى يتوجب على الحكومة العراقية العمل معاً للتصدي لهذه المشكلة وتحويل هذا المورد الضخم إلى ثروة وطنية تساهم في تنمية البلاد ورفاهية شعبها.



